محمد أبو زهرة
1387
زهرة التفاسير
علاج إلا أن تحذروهم وتصبروا عليهم ، وتتقوا اللّه تعالى ، وتصونوا أنفسكم عن تمكينهم من الأذى ، وفي هذه الآيات يشير سبحانه إلى بعض صنيعهم في شديدة للمسلمين ، وكيف كانوا يبثون الشك والفوضى في نفوس المجاهدين ، مما جعل بعضهم يفكر في أن يفشل ويعجز وتخور عزيمته ، ولقد أشار سبحانه في ذلك إلى غزوة أحد وغزوة بدر ، فقال سبحانه : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ هذه الآية وما تليها نزلت في غزوة أحد ، إذ خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم في السحر من السابع من شوال في السنة الثالثة من حجرة عائشة ، وأخذ يصف المؤمنين للقتال ، ويقف كل فريق منهم في موقفه ، وقد جعل الرماة من وراء المقاتلين ، وأمرهم بأن يكونوا وراء ظهور المقاتلين ينضحون عنهم بالنبل ، وقال لأميرهم : « انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك ، لا نؤتين من قبلك » وأمر الجيش كله ألا يتحرك إلا عندما يأذنه بالحركة ، حتى إن أحد الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرّحت أفراسها وإبلها في زروع المسلمين ، وقال : « أترعى زروع بنى قيلة ( يعنى الأنصار ) ولما تضارب » . وهذا مؤدى قوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ومعنى غدوت : أصبحت مبكرا مسارعا إلى تنظيم جيش المؤمنين جيش اللّه تعالى ، والغدوة والغداة أول النهار ، ويذكر الغدو والغداة أول النهار ، ويذكر الغدو مقابلا بالآصال أي وقت العصر وقبل المغرب ، ومن ذلك قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) [ النور ] . وقوبلت الغداة بالعشى ، ويطلق الغدو على الذهاب ويكون مقابلا للرواح ، ومن ذلك قوله تعالى في الرياح : غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ . . . ( 12 ) [ سبأ ] وذلك لأن الذهاب عادة يكون في البكور ، وتبوئ معناه تسهل وتنظم وتثبت ، وأصله من البواء وهو مساواة الأجزاء في المكان ، وبوأت له مكانا سويته ، ومن ذلك قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً . . . ( 87 ) [ يونس ] .